عبد الشافى محمد عبد اللطيف
194
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
ولم يكن ممكنا السكوت عليها ، بل كان لا بد من إشعارهم بهيبة الإسلام وأنه لا يستباح حماه . فقد قتل في هذه المناطق خمسة عشر رجلا من الصحابة كانوا يدعون إلى الإسلام ، كما قتل الحارث بن عمير ، مبعوث النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى أمير بصرى الخاضع لسلطان الروم ، وكانت هذه كلها جرائم خطيرة استوجبت العقاب « 1 » . مما جعل النبي يجهز سرية مؤتة لتحقيق هذا الهدف ، فماذا حدث ؟ لقد توجهت الحملة إلى وجهتها ، لأداء مهمتها المحدودة ، وعلى رأسها قواد ثلاثة عقد لهم النبي بالتتابع ، وهم زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد اللّه بن راوحة . وما أن وصلت السريّة إلى مناطق الحدود - وفي حسبانها أنها ستواجه بعض القبائل العربية - حتى وجدت أن هرقل قد حشد لها عشرات الألوف من جند الروم . وفوجئ قواد الحملة المسلمون بهذا الموقف الذي لم يكن في الحسبان ، وعقدوا مجلسا حربيّا لتدارس الموقف على ضوء هذا الواقع ، وبرزت عدة اقتراحات ؛ منها أن يعودوا إلى المدينة ليخبروا النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليقرر ما يراه ومنها أن يعسكروا في موقعهم ، ويطلبوا من الرسول مددا . وأخيرا تحدث أحد قواد الحملة وهو عبد اللّه بن رواحة ، فقال : « يا قوم ؛ نحن لا نقاتل بقوة ولا بكثرة ، ولكن بهذا الدين الذي أكرمنا اللّه به ، وما نريد إلا إحدى الحسنيين ، الظهور أو الشهادة » سرت كلمات ابن رواحة في نفوس المسلمين وارتفعت روحهم المعنوية وصمموا على القتال . ودارت المعركة - قرب مؤتة - بين الثلاثة آلاف مسلم وبين قوات الروم الضخمة ومن يدور في فلكها من القبائل العربية ، وبطبيعة الحال لم تكن القوتان متكافئتين ، وكانت معركة ضارية استشهد فيها عدد من جند اللّه وقوادهم الثلاثة . وهنا كان من الضروري تغيير خطة المسلمين لمواجهة هذا الموقف الخطير . وتسلم القيادة عبقري الحرب - سيف اللّه - خالد بن الوليد ، الذي قدر الموقف العسكري تقديرا دقيقا يدل على بعد نظره العسكري واعتقد أن واجبه كقائد للمسلمين يحتم عليه أن يضع خطة للانسحاب ، وقد نجح ابن الوليد نجاحا باهرا في إنقاذ من بقي من جيش المسلمين وهذا الموضوع وحده يحتاج إلى بحث خاص ، والمهم هنا هو العبرة والدرس الذي استفاده المسلمون من موقعة مؤتة ، فأكثر ما كان يتميز به أسلافنا العظام أنهم كانوا يستفيدون من كل موقف ، ولا يتركون حادثة تمر دون أن يكون لهم عندها وقفة
--> ( 1 ) د . هيكل - حياة محمد ( ص 404 ، 405 ) .